ابراهيم بن عمر البقاعي

63

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

قال الإمام : المحبة توجب الإقبال بالكلية على المحبوب والإعراض عن غيره - انتهى . فمن ادعى محبته وخالف سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو كذاب ، وكتاب اللّه سبحانه وتعالى يكذبه يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى حبا ظهرت أماراته بما أعلم به الفك ، فإن الأمر المنجي غاية النجاة إنما هو محبة اللّه سبحانه وتعالى للعبد ، لا محبة العبد للّه ، فإنه ربما كانت له حالة يظن بها أنه يحب اللّه ، والواقع أنه ليس كما ظن لكونه يعمل بما يسخطه سبحانه وتعالى ، والأمارة الصحيحة لذلك رد الأمر كله إلى اللّه ، وحينئذ يفعل اللّه مع العبد فعل المحب من حسن الثناء والإكرام بالثواب . قال الحرالي : فإن من رد الأمانة إلى اللّه سبحانه وتعالى أحبه اللّه فكان سمعه وبصره ويده ورجله ، وإذا أحب اللّه عبدا أراحه وأنقذه من مناله في أن يكون هو يحب اللّه ، فمن أحب اللّه وله ، ومن أحبه اللّه سكن في ابتداء عنايته وثبته اللّه سبحانه وتعالى - انتهى . فقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن الدلالة الناشئة عن الرأفة من الإكرام بالنعم من الهداية بالبيان والإبلاغ في الإحسان عامة للمحبوب وغيره ، وأن الدليل على المحبة الإلهية هو الاتباع للداعي « اعملوا فكل ميسر لما خلق له فأما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة ، وأما من كان من أهل الشقاوة فييسر لعمل أهل الشقاوة » « 1 » « ما تقرب المتقربون إليّ بمثل أداء ما افترضته عليهم ، ولا يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه » « 2 » . ولما كان الدين شديدا لن يشاده أحد إلا غلبه ، لما عليه العبد من العجز والمعبود من عظيم الأمر أتبع ذلك الإعلام بأنه مع إيصال الثواب يرفع العقاب فقال - وقال الحرالي : ولما كان من آية حب اللّه له صلّى اللّه عليه وسلّم ما أنزل عليه من قوله : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [ الفتح : 1 ، 2 ] أجرى لمن أحبه اللّه

--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 4949 ، 6217 ، 4947 ، 4945 ومسلم 2647 والترمذي 2136 وابن ماجة 78 وابن حبان 334 وعبد الرزاق 20074 وأحمد 1 / 82 ، 312 ، 133 كلهم من حديث علي ابن أبي طالب وله قصة ، واللفظ للبخاري ومسلم وغيرهما . وورد بنحوه مختصرا من حديث عمران بن حصين أخرجه البخاري 6596 و 7551 ومسلم 2649 والطبراني في الكبير 18 / ( 266 ) ، ( 268 ) . وفيه : « كل ميسر لما خلق له » . ( 2 ) صحيح . أخرجه البخاري 6502 وابن حبان 347 كلاهما من حديث أبي هريرة قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : إن اللّه قال : من عادى لي وليا ، فقد آذنته بالحرب ، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، وإن سألني لأعطينه ، ولئن استعاذ بي لأعيذنه ، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت ، وأنا أكره مساءته » هذا لفظ البخاري ، وقد رواه المصنف بنحو هذا المعنى .